– ديمقراطية التواقيع والميادين .. ديمقراطية مصر الجديدة

مصر شأن عربي ودولي

مصر دولة لها وزنها على المستويين الإقليمي والدولي، والأوضاع فيها تؤثر في محيطها العربي والإسلامي، والإنسان المصري بسبب طبيعته محبوب لدى الشعوب العربية الأخرى، فضلًا عن أن المجتمع المصري جزء من نسيج المجتمعات العربية يهمنا حاضره ومستقبله، همومه همومنا وتطلعاته تطلعاتنا؛ لذا يظل الشأن المصري محل اهتمام وتناول الكثيرين.

المبدأ أم الموقف

بعض المواقف يحددها مبادئ الإنسان وليس مواقفه من الأشياء، فإن يكن لدي موقف من الإخوان فهو أمر طبيعي، ولكن يحدد الموقف من الإخوان على أرض الواقع، وما يحدث تحت مظلة الدستور والديموقراطية هو القناعة الراسخة بمبدأ احترام الدستور والدفاع عن الديموقراطية، فالمواقف لا تطال سوى المبادئ الهشة.

ويختلف الناس في مواقفهم السياسية والإيديولوجية، ويمارسون مواقفهم من خلال صندوق الاقتراع والانضمام الى صفوف المعارضة والتظاهر السلمي، وصولًا إلى العصيان المدني تحت مظلة مبدأين يجمعان كافة الفرقاء، الدستور والديموقراطية، والتداول السلمي للسلطة.

والمواقف مساحة واسعة للبشر لا تحتاج إجماع، ولكن إذا غاب الإجماع عن المبادئ يصل المجتمع إلى حالة الطريق المسدود، ويقود الدولة والمجتمع إلى غياب الثقة، وصراع مفتوح لجميع الاحتمالات.

مع الإخوان أم الشرعية؟

تنطلق مواقف العقلاء المنصفين الحريصين على مصلحة مصر واستقرارها وانعكاسات هذا الاستقرار على المنطقة في الوقوف إلى جانب الشرعية واستمرار العملية الديمقراطية، بغض النظر عن الموقف من الإخوان وسائر الإيديولوجيات بما فيها الإسلام السياسي، فالإخوان فصيل سياسي أعطي حق الانخراط في العمل السياسي، وحظي ممثله حزب الحرية والعدالة ممثلًا في الدكتور مرسي على تصويت الأغلبية، فهو شئنا أم أبينا، اتفقنا معه أم اختلفنا، يمثل الشرعية التي يجب الحفاظ عليها لأجل مصلحة مصر واستقرارها.

الديموقراطية ليست صناديق الانتخاب، ووسيلتها الأساسية صناديق الانتخاب

يقول كاتب مغربي “لا يفرق كثر من العرب بين صناديق الاقتراع وصناديق الزبالة”!

كلامه صحيح، وكل الذين رددوا أن صناديق الاقتراع ليست منتهى الديموقراطية مصيبين، ولكن جلهم ما بين مردد لكلام لا يفقهه أو مستخدم لكلمة حق يراد بها باطل.

فالديموقراطية ليست صناديق الانتخاب، ولكنها وسيلتها الأساسية التي على أساسها تم انتخاب مرسي بأغلبية الأصوات وليست الميادين، المظاهرات تمثل رأي عام أو مواقف فئات، وليس رأي الأغلبية التي لا يحسمها سوى صناديق الاقتراع.

تدخل الجيش في ثورة 25 يناير والانقلاب على الثورة

ثورة 25 يناير شعبية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، خرج فيها الجميع في ثورة تاريخية ضد الظلم والاستبداد، ولم يتورع فيها النظام عن ممارسة العنف المفرط ضد المتظاهرين، ولم يتورع أيضًا في قتلهم، فاستشهد خلال الثورة ما يقارب 365 شهيدًا لأجل التحرر من الظلم والجور والاستبداد، ولأجل الحرية والديموقراطية، فكان تدخل الجيش في مرحلة حرجة واستثنائية من تاريخ مصر مفهومًا ومبررًا، فهو انتقال من حالة استمر فيها قتل مدنيين يصرون على إسقاط النظام، إلى تحقيق الاستقرار والانتقال إلى الديموقراطية.

أما تدخله في مظاهرات 30 يونيو فهي مسرحية مكشوفة، حاولت فيها قوى الانقلاب الزعم بأنها تكرر موقف الجيش في ثورة 25 يناير، وشتان ما بين ثورة على ظلم واستبداد عُمِّر نظام المخلوع مبارك فيه 30 سنة من أصل 60 سنة، والانقلاب على حكومة شرعية منتخبة، عمرها لم يتجاوز سنة واحدة، تعرضت خلالها لكل العراقيل من قبل الفلول، المدعوم سياسيًا واقتصاديًا من قبل قوى خارجية دولية وإقليمية.

فأين الجيش طوال حكم نظام مبارك، عدا الفارق بين أن ينتظر 18 يومًا في ثورة 25 يناير لحين مقتل 365 ، وأن يتدخل فيما أسماه السيسي مظاهرات باهرة متجاهلًا المظاهرات المؤيدة للشرعية.

شتان ما بين ثورة 25 يناير التي قدم لأجلها الشعب المصري 365 شهيدًا، وبين الانقلاب العسكري الذي أحد نتائجه سقوط شهداء في مجزرة الجيش الجمهوري ثم في المنصورة.

الجيش المصري في ثورة 25 يناير تدخل لأجل مصر وجميع المصريين، أما اليوم فهو منحاز تمامًا لطرف ضد آخر، فهو يستطيع أن يرى جيدًا حشود الداعين للانقلاب على الشرعية، ولكنه لا يرى مؤيدي الشرعية، لو كان الجيش المصري منحازًا إلى مصر وشعبها، لانتظر ما تسفر عنه الاحتجاجات السلمية وصولًا للعصيان المدني قبل أن يتدخل لوأد ديموقراطية وليدة.

الانتخابات الرئاسية المصرية وفوز الدكتور مرسي

خاض مرسي الانتخابات الرئاسية ممثلًا لحزب الحرية والعدالة، وفاز في الانتخابات التي شهد لها الجميع داخل وخارج مصر بالنزاهة، فهو رئيس شرعي منتخب بأغلبية الأصوات، ولأول مرة في تاريخ مصر، وعلى من صوت له ولم يعجبه أداؤه أن يعبر عن رأيه بالتظاهر السلمي الذي يشهد الجميع أنه لم يواجه بالعنف في عهد مرسي عدا حالات قليلة، أو أن ينتظر انتهاء مدة الرئاسة ليمارس حق انتخاب غيره، هذه هي الحياة الطبيعية للحياة السياسية الديموقراطية .. معارضة رئيس منتخب وانتقاد أدائه وانتخاب آخر في دورة طبيعية وسلمية للديموقراطية، وليس استدعاء الجيش للانقلاب على الشرعية ووأد الديموقراطية.

يعتقد كثيرون أن الإخوان لم يكن الخيار الأفضل للمصريين، وإنما ظروف المرحلة والبدائل الأسوأ بما فيها الفلول هي التي منحت الإخوان فرصة الفوز، وليكن، هل يمكن اعتبار هذا مبررًا مشروعًا للانقلاب على الشرعية، وتأييدها من قبل من يزعمون أنهم يفهمون ما هي الديموقراطية، فضلًا عن أن يؤمنوا بها إذا فهموها؟!

كذلك يبرر البعض بأن فارق الأصوات ضئيل، وهو تبرير سطحي وساذج، فمهما كان الفارق فأصوات الناخبين في انتخابات شهد لها الجميع في الداخل والخارج بنزاهتها تحسم الأمر تمامًا، إنه مبدأ الديموقراطية الذي يجب أن يوحد الجميع مهما اختلفت مواقفهم.

الدستور ما بعد ثورة 25 يناير

تصويت الأغلبية على الدستور المصري يحسم الأمر ابتداء.

ولكن هذا لا ينفي الإقرار بأن صياغة دستور وتحقيق أعلى مستوى ممكن من التوافق عملية صعبة ومعقدة، وتزداد صعوبة في مجتمع مثل المجتمع المصري .. مجتمع مسلم ذو توجهات متباينة من جهة، وبه أقليات دينية من جهة أخرى، ويعاني في الوقت ذاته من تجاذبات واستقطابات سياسية، ويزداد صعوبة وتعقيدًا في ظل حكومة تمثل أحد إيديولوجيات الإسلام السياسي، التي لا يمكن لها إلا أن تكون منحازة لفكرها وتحزبها، لربما أكثر من الانحياز للوطن نفسه أو الإنسان، ويضاف لهذا كله أن الأحداث في مصر لا تدور بمعزل عن ضغوط وتأثيرات دولية وإقليمية، تهمها مصالحها أكثر من مصلحة مصر أو إرادة الشعب المصري، لا أحد يستطيع تصور إمكانية صياغة دستور توافقي بشكل كامل ومثالي تمامًا في ظروف عادية في مجتمع مثل المجتمع المصري، فضلًا عن أن يكون ذلك في ظروف استثنائية وغير عادية مرت وتمر بها مصر، ويزيدها تعقيدًا اليوم الانقلاب العسكري على الدستور والشرعية.

عرض مرسي على المعارضة المشاركة في تعديل الدستور، ولكن قضي الأمر بتدبير خارجي داخلي، فالانقلاب خطط له منذ مدة، والمرحلة القادمة هو دستور قد يرافقه ضغوط وتدخلات خارجية، أما الإرادة الشعبية فقد تحولت فيما يبدو إلى أداة تجيش في الميادين والشوارع، تمهيدًا لانقلاب عسكري أصبح بديلًا عن إرادة أغلبية الشعب الذي مارس خياره بالتصويت على الدستور.

مرحلة حكم مرسي

سواء اعترف مرسي بأخطائه أم لم يفعل، فهو ارتكب أخطاء تسببت في تراجع شعبيته وشعبية الإخوان، وتعزيز الصور الذهنية السائدة بأن حزب الإخوان يسعى لتثبيت نفسه في الحكم، وخدمة مصالحه أكثر من مصالح الشعب المصري، وتحقيق أهداف الحزب أكثر من تحقيق أهداف الثورة.

بدا مرسي في بعض خطاباته وكأنه ليس رئيس دولة متقمصًا دور الإخواني العضو، وليس رئيسًا لجميع المصريين، فضلًا عن أنه يفتقد للكارزيما وقوة الشخصية والقدرة على التأثير.

كان يتوجب عليه أن يتعامل بقدر كبير من الحزم والحذر، واتخاذ قرارات فاعلة في آن واحد مع ما أسماه الدولة العميقة، والعمل على مشاركة كافة القوى، والتركيز على الشباب، ولاسيما الفاعلين في ثورة 25 يناير، ولكنه بدلًا من ذلك تم تهميشهم وهم وقود الثورة.

كان أمامه أن يترك كرسي الرئاسة بعد مضي 4 سنوات أو قبلها، وهو شجاع في تمثيل الثورة وجميع الشعب المصري في مواجهة الدولة العميقة، بدلًا من إجباره بهذه الطريقة، عندما أوجد لخصومه فرصة للانقلاب عليه.

صحيح أن الأوضاع والظروف التي حكم فيها لم تكن في صالحه، وأغلب المؤثرين في مفاصل الدولة بما ذلك الإعلام ضده وغير محايدين، ولكن الحقيقة أيضًا أنه لم يبد أنه يفعل ما بوسعه وبما يتفق مع ظروف المرحلة وحجم تطلعات ثورة 25 يناير.

ورغم هذا كله فهو مثل أي رئيس دولة في العالم تم انتخابه من أغلبية الناخبين، معرض للأخطاء التي كان ينبغي أن تواجه بالرأي والنقد والتظاهر السلمي، وصولًا للعصيان المدني، لإجباره إما على تغيير طريقته في الحكم والاستجابة لمطالب منتقديه أو التنحي، أما استدعاء الجيش للانقلاب فهو يعبر عن عداء سافر للرجل وحزبه، وانقلاب على الشرعية وعلى ثورة 25 يناير، فمسار ديموقراطية أنتجت حكمًا مليئًا بالأخطاء، أفضل من بتر قدميها والعودة بمصر إلى الوراء، وجرها إلى منزلق يقودها إلى مجهول قد تكون تداعياته أكبر من وجود رئيس دولة متعثر في حكمه لبلد يعاني ولادة متعسرة للديموقراطية، ويدفع ثمنها الشعب المصري، وتظل دول أخرى وعلى رأسها إسرائيل أكبر المستفيدين.

جماعة الاخوان

قرار الإخوان بدخول الانتخابات الرئاسية عن طريق حزب الحرية والعدالة، لم يكن توقيته مناسبًا؛ بسبب ظروف المرحلة من جهة، وواجب ومسؤولية من جهة أخرى لقطع الطريق على الفلول، ولكنهم للأسف لم يكونوا مستعدين لخوض تجربة مهمة، وفي مرحلة غير عادية، وغير موفقين في اختيار محمد مرسي.

لم يبد على الإخوان أنهم يستشعرون مسؤولية ممارسة الحكم، وأن خطاباتهم يجب أن تتطور، وأن تكون محسوبة أكثر، وأن ثمة فرق بين أن تكون معارضًا في البرلمان وأن تكون من الحزب الحاكم.

كان من المتوقع أن أول شيء تفعله جماعة الإخوان، هو تعيين متحدث رسمي باسمها لا يهوى الخطابات الحماسية أو التي تبدو صدامية، وأن يتوقف جميع القياديين وممثلي الإخوان عن التنقل بين القنوات التلفزيونية، يمارس بعضهم خطابات تبدو مستفزة أو تحريضية، يتلقفها الإعلام المضاد وقد يسعى لتضخيمها، ويمارس من خلالها التحريض على الإخوان والشرعية، بل والسعي للعودة بمصر إلى عهد ما قبل 25 يناير من قبل إعلام الفلول، أو إعلام مدفوع من أصحاب مصالح من رجال أعمال ودول إقليمية وعالمية.

مظاهرات 30 يونيو وأعداد المتظاهرين

تقول المحامية المصرية نيفين ملك في لقاء معها في قناة الجزيرة: “الشرعية يحددها الصناديق وليس الحشود في الميادين وتجييش حشود مضادة”. (بالمناسبة هي مسيحية وليست إخوانية ولكنها تؤمن بمبدأ الديموقراطية).

الببغاء الأفريقي بذكاء طفل عمره 5 سنوات، فهو يتعلم ترديد الكلام بسرعة، ولكن أن يحفظ ويردد إنسان بالغ : 22 أو 30 مليون متظاهر دون أن يسأل نفسه عن مدى صحة الرقم وطريقة حسابه فهو يبدو أنه يعاني من غباء شديد.

أما ترديد 22 مليون توقيع، فحدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له، ولكن السؤال المهم هل حركة تمرد تنتج اليوم لمصر ديموقراطية جديدة، اسمها (ديموقراطية التواقيع) في 22 مليون استمارة بديلاً عن صناديق الاقتراع، ودبابة الجيش لتنفيذ الإرادة الشعبية المزعومة بديلًا عن ديموقراطية الدولة المدنية؟ هل هذه هي الديموقراطية التي لأجلها قدمت ثورة 25 يناير 365 شهيدًا.

الانقلاب العسكري وتداعياته

مصر كانت بين خيارين، الأول: المبادئ التي يمكن أن تجمع كل المصريين وكل الفرقاء، ويمارس في ظلها كافة المواقف والاختلافات، وكل عمل سلمي كفله الدستور وهي (مبدأ احترام الدستور، ومبدأ احترام الديموقراطية)، وأن يدع خصوم الإخوان ومرسي يسقطون سياسيًا في عملية ديموقراطية سلمية، سواء في الشارع أم الانتخابات الرئاسية القادمة.

أما الثاني فهو استدعاء الجيش لتعطيل الدستور ووأد الديموقراطية المصرية الوليدة، وجر مصر إلى طريق مجهول، قسم شعب مصر إلى قسمين، مؤيد ومعارض، والجيش مع طرف ضد آخر.

تداعيات الوضع يصعب التكهن بها، ولكنها تثير القلق، ويظل السؤال هل يمكن قيام ديموقراطية حقيقية على أنقاض شرعية تم الانقلاب عليها؟ وهل سوف يكون العسكر الذين انقلبوا على الشرعية هم مؤسسي الديموقراطية على أنقاض الشرعية؟ وهل سوف يكون الجيش مـتأهبًا للتدخل والانقلاب على الشرعية وإرادة شعب اختار رئيسه من خلال صناديق الاقتراع، بحجة إرادة مليون أو يزيد قليلًا نزلوا للميادين؟

أخيرًا موقف بعض حكومات الخليج العربي يتضح من خلال وسائل إعلامها في الوقوف ضد ثورة 25 يناير، والانحياز الكامل للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وهي نفسها التي احتفلت كثيرًا بالانقلاب العسكري وما تبعه من دعم كبير وفوري من حكومات دول الخليج  لمصر، السؤال هل دول الخليج العربي سوف تكون جزء من اللعبة السياسية المصرية خلال المرحلة القادمة؟ وهل سوف تسمح بنشوء ديموقراطية حقيقية في مصر التي لها تأثير سياسي وثقافي كبير على محيطها؟

 

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف جميع التدوينات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

تعليق واحد على: – ديمقراطية التواقيع والميادين .. ديمقراطية مصر الجديدة

  1. احمد كتب:

    طرح منطقي وعقلاني وصدقت مخاوفك فمصر اليوم وصلت الى طريق مسدود بسبب الانقلاب ولو احترموا نتائج اول تجربة ديموقراطية لهم لما وصلوا الى ما وصلوا اليه

اترك رد